حرف فنية: السريغرافيا

فن السريغرافيا

إن مصطلح السيرغرافيا (Sérigraphie) المشتقَّة من اللاتينية sericum (حرير)، ومن اليونانية graphein (كتابة)، هو تعبير عن إحدى طرق الطباعة الأصيلة المغرقة في القدم، ومبدأ هذه الطريقة هو دفع الحبر من الأعلى إلى الأسفل عبر سطح مسامي محدد الشكل يطلق عليه ستنسل (stencil) وهو ورق مشمّع باتجاه المادة المراد نقل الرسم إليها، وتعد من أوائل طرق الطباعة شبه المنظمة التي اعتمدها الإنسان القديم ليعبر بوساطتها عن نفسه وأغراضه ودوافعه.

وبهذه الوسيلة استطاع سكان جزر فيجي (Fiji) البدائية طبع رموزهم وزخارفهم على ملابسهم المصنوعة من لحاء الأشجار، باستخدام أوراق الموز المثقَّبة والمخرَّمة لصنع الستنسل اللازم. وبتقدم الحضارة وجد المبشرون الدينيون في هذه الطريقة وسيلة لطبع النسخ العديدة من الصور والتعاليم الدينية، واستطاع اليابانيون القدماء تطويرها لتحقيق نتائج أدق وعدد أكبر من النسخ بعد تطوير شبكة الستنسل باستخدام طبقتين من الورق الرقيق المقاوم للماء، وتضمينها خيوط الحرير الناعمة جداً، أو شعر الأطفال حديثي الولادة حين يكون الغرض زخرفة ملابس المولود ذاته.

وفي نهاية القرن السادس عشر حين انتقلت الطباعة من ألمانيا إلى إيطاليا وفرنسا وإسبانيا أصبحت الطباعة بالستنسل فناً معترفاً به في أوربا، ووسيلة موازية ومشتركة أحياناً للقوالب الخشبية المحفورة وفرشاة الألوان لنشر الصور الدينية والكتابات المزخرفة التي تباع بالآلاف في مواسم الحج والتبرُّك.

أسهمت طباعة الستنسل في إنكلترا في القرن السابع عشر في ازدهار صناعة ورق الجدران المقطَّن، وعندما عُرِفت هذه الطريقة الطباعيَّة في أمريكا عام 1787 تطورت إلى وسيلة لتنفيذ التصاميم والرسوم والزخارف الجدارية، ووُظِّفت لزخرفة المفروشات وطباعة الأقمشة على نطاق واسع.

ونتيجة تطوُّر وسائل الطباعة المختلفة الأخرى وطرقها، لاحظ المشتغلون بالفنون الجوانب الإيجابية العديدة لطباعة الستنسل، فكانت الشاشة الحريرية هي الوسيلة الأمثل لتحقيق إنتاج أوسع وجودة فنية عالية ومردود أكبر، وقد تحقق ذلك على أيدي العديد من الرواد أمثال: صمويل سيمون (Samuel Simon) من مانشستر بإنجلترا الذي سُجِّلَتْ له سنة 1907 طريقة مد الحرير على الإطارات، وويليام موريس (William Morris)، وجون بلسوورث (J.Pilsworth) الذي أجرى على الطباعة تحسينات ملموسة، وأدخل عليها تعدد الألوان.

وقد وجدت شركات الإعلان ومكاتب الدعاية في هذه التقانة الطباعية حلاً لمصاعب جمّة عانت منها طويلاً، إذ صارت طباعة الإعلانات الكبيرة وتعدد الألوان ووفرة الإنتاج وخفض التكاليف ممكنة ومتاحة، ممّا أدى إلى تسارع كبير في تطوير الوسائل والخامات والأدوات والمواد المستخدمة في طريقة الطباعة بالشاشة الحريرية.

إلا أن هذا الفن مع نموه المتسارع وتعدد استخداماته لم يحظ بالنظرة الفنية الخالصة وحسب، بل عُدَّ أداةً لكسب المال أيضاً، إلى أن حلَّ عام 1938 فاجتمع عدد من الفنانين الشباب في الولايات المتحدة بقيادة أنتوني فيلونيس (Anthony Velonis)، وأقاموا معارض فنية لنتاجهم المنفّذ بالشاشة الحريرية في صالات ومتاحف نيويورك وغيرها، وأطلقوا حينها تسمية (سيرغراف Serigraph) على هذا الفن الذي بدأ يستعيد السمة الفنية الخالصة، ويتلقاه بشغف هواة الفنون الجميلة وتجَّار الأعمال الفنية، ولاسيما في الستينات من القرن المنصرم حينما عرض فنانون كبار أمثال: أندي وارهول (Andy Warhol)، وروي ليتشنشتاين (Roy Lichtenstein)، وروبرت روشينبيرغ (Robert Rauschenberg)، أعمالهم الأساسية منجزة بالشاشة الحريرية في معارض الفنون الغرافيكية والفنون الجميلة، وقدموا هذا الفن بوصفه أحد أجمل فروع الفن التي تتصدر متاحف العالم.

مميزات الطباعة بالشاشة الحريرية

تعد الطباعة المسامية أو السيرغرافية اليوم من أكثر أنواع الطباعة شيوعاً واستخداماً، فهي تغطي مجالات عديدة تعجز الطرق الطباعية الأخرى عن أدائها، ويعود ذلك إلى بساطة الإجراءات المتبعة في طريقة إعداد الشبكات، أو في طريقة سحب الطبعات منها، باعتمادها على دخول الحبر من مسامات النسيج إلى مكان الرسم، وعدم دخوله من مسامات أخرى أُغْلِقَتْ بمواد عازلة ومقاومة، وبذلك يكون لهذه الطريقة في الطباعة خصائص متفردة ومتميزة، من أهمها:

  • سهولة الطباعة وسرعتها، إذ يديرها شخص واحد ودون الحاجة لحيز كبير.
  • يمكن الطباعة بوساطتها على العديد من المنتجات أيا كانت نوعية الخامة المتلقية للحبر، لسهولة تعديل خواص الحبر، ولتوافره في الأسواق جاهزاً للطباعة على مختلف المواد كالورق والكرتون والقماش والبلاستيك بأنواعه والزجاج والمعادن والأخشاب والجلود، وكذلك الأحبار الموصلة للتيار الكهربائي لطباعة الدارات الخاصة بالأجهزة الإلكترونية.
  • يمكن بوساطتها الطباعة على مختلف الحجوم والأسطح المستوية والمقوَّصة والمحدبة والمقعرة والأسطوانية.
  • يمكن بهذه الطريقة إنزال ثخانات مختلفة من الحبر، أو استخدام أحبار نفَّاشة رغوية تعالج بالحرارة، وتتمتع جميعها بمقاومة المؤثرات الكيميائية وعوامل الطقس.
  • يمكن بوساطتها القيام بعمليات الحفر على الزجاج والمعادن باستخدام أحبار مركبة من الأحماض الخاصة التي تؤثر في سطوح هذه المواد.

تحضير الإطار الحامل للشبكة المسامية

تعد أنسجة الحرير الطبيعي وخيوط النايلون، والبولي إستر (polyester)، والرايون (rayon) أو الحرير الصناعي، وخيوط الصلب غير القابلة للصدأ، الأكثر ملاءمة للاستخدام في المحسِّسات الفوتوغرافية السيرغرافية الشائعة الاستخدام في الأسواق التجارية، والطريقة المثالية لشد هذه الأنسجة على الإطارات الخشبية أو المعدنية هي استخدام آلات الشد المجهزة بمَلازم خاصة تعمل بضغط الهواء وتكفل شداً منتظماً في مختلف الجوانب، وتمنع الاستطالات العشوائية التي تنتج بفعل الشد اليدوي، وتضمن لخيوط النسيج استقامة واحدة طولاً وعرضاً بقوة وانسجام.

تحضير السطح الطباعي الحامل للرسم (الستنسل) لعملية الطباعة

ثمة طرائق عدة متطورة لإعداد السطح الطباعي أهمها ثلاثة طرق، الأولى: يدوية وتدعى طريقة قطع مناطق الرسم وتفريغها بعد عملية إلصاق حرارية بدعامة رقيقة عازلة على الشبكة المسامية (الفيلم)، وأنواع مركبة من مواد متنوعة تدعى ورق الستنسل وهو مقاوم للمواد الحالّة للحبر، وما تزال هذه الطريقة تستخدم في طبع لوحات الإعلانات الكبيرة والشاخصات المرورية، وفي وضع العلامات والكتابات على الصناديق الكبيرة، والثانية: هي طريقة التغطية المباشرة وتتلخص بطلاء المناطق خارج حدود الرسم بقناع من مواد تعارض في تركيبها المواد الحالّة للحبر، كاستخدام اللَّكَر عند الطباعة بالألوان المائية، أو استخدام الغِراء حين يتم الطبع بأحبار مضادة للماء. أما الطريقة الثالثة: فهي الأكثر شيوعاً ودقة، فهي طريقة المستحلبات الفوتوغرافية الحساسة للضوء، التي تفرش فوق الشاشة بوساطة مجرفة خاصة تملأ بالمستحلب الذي يمد من الأسفل للأعلى وباتجاهات متعامدة لإنجاز تغطية ناجحة، ثم تُتْرَكُ لتجفَّ في الظلام، ثم تخضع لعملية تعريض ضوئي بعد تثبيتها فوق الفلم الحامل للتصميم فتترسَّخ المواد الحساسة للضوء، وتَثْبُتُ مع المستحلب على سطح الشبكة الحريرية في المناطق التي تعرضت للضوء، بينما تنهار أجزاء المستحلب التي لم ينفذ إليها الضوء بفعل عمليات الغسيل بالماء المضغوط مع الهواء لِتُفْتَح المسامات كلها على سطح الشبكة في أماكن الرسم.

الطباعة

تحتاج عملية الطبع إلى منضدة مستوية تكون مجهزة في الغالب بغطاء من القماش السميك، الذي يلف طبقة من الجلد الصناعي المبطن بطبقة من الإسفنج الرقيق المشدود بقوة على سطح المنضدة، وإلى الراكل (Raclette) التي تُمْسَكُ على نحوٍ مائل قليلاً, ويُمَدُ الحبر داخل إطار الطباعة من المستوى الأبعد باتجاه العامل القائم على الطباعة، ولإنجاز طبعة مثالية ناجحة ينبغي أن يرفع إطار الطبع قليلاً في حساب دقيق عن المادة التي ستتلقى الحبر، ويكون مستوى الضغط كاملاً فوق نقطة التماسّ التي تمر بها (Raclette) الدافعة للحبر، وهذا الإجراء يمنع حدوث أي تلطخ أو تشويه للتصميم المطبوع عند رفع الشبكة.

مراجع:

  • (NICHOLAS BRISTOW, Screen Printing: Design and Technique (1990
  • (BRAD FAINE, The Complete Guide to Screenprinting (1989

التعليقات مغلقة

Powered by WordPress | Designed by: Find Free WordPress Themes | Best Bank CD Rates, Premium Themes and Cheap Toys | Translation